Download putty ssh for windows
الصفحة الرئيسية >> بحوث ودراسات >> عام >> الوقف والاحتساب

الوقف والاحتساب

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

ridhwanussayidبقلم الدكتور رضوان السيد.

(الموضوع المنشور أدناه جزء من دراسة نشرت قبل خمسة عشر عاما أي في سنة 2001 م تحت عنوان " الوقف معناه وفلسفته"، وتتكون في نصّها الأصليّ من خمسة مسائل؛ أولاً: الوقف والاحتساب، ثانياً: الوقف ومقاصد الشريعة، ثالثا: الوقف وحقوق الله والعباد، رابعاً: الوقفُ والسياسةُ الشرعية، خامسا: الأوقافُ والتنمية. وبصرف النظر عن الاختلاف مع بعض ما جاء هنا فإنّ حاجة كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالأوقاف لهذه المسائل ضرورية ديانةً؛ لاسيما مع انشغال الوقفيين عنها وقلّة عنايتهم بها. وعليه فقد استأذن "موقع وقفنا" من الأستاذ الدكتور رضوان السيد في نشرها؛ فسمح مشكورا مأجورا إن شاء الله ـ بالرغم من أنها منشورة في موقعه الألكتروني. وقد أجرى الموقع مراجعة لبعض المعلومات المرجعيّة فيه).

 يعني الاحتسابُ القيامَ بعملٍ من أعمال الحسبة: "فالاحتسابُ طلبُ الأجر، والاسمُ الحسْبةُ .. وفي الحديث: من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً، أي طلباً لوجه الله تعالى وثوابه … والاحتسابُ في الأعمال الصالحات وعن المكروهات هو البدارُ إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجوّ منها. وفي حديث عمر: أيها الناسُ احتسِبوا أعمالكم فإنّ من احتسب عمله كُتب له أَجْرُ عمله، وأَجْرُ حِسْبته …"(1). وهكذا فإنّ العمل الحسبي يشترك مع العمل التعبُّديّ في أنه مطلوبٌ، بمعنى أنه يتضمن أداءً للواجب أو للمندوب. لكنه يضيف لذلك مسألةَ المبادرة الفردية والإحساس الرسالي العاري عن المنفعة الشخصية أو المباشرة أو الدنيوية. وهذا هو المقصود مما يتكرر في وثائق الوقف من أوصافٍ مثل: لوجه الله تعالى، أو قُربى لله تعالى، أو حِسْبةً رجاءَ ثواب الله عزَّ وجلّ. فالاحتسابُ كما قال السنامي (ـ 725 = 1324): "لفظٌ عامٌّ يتناولُ كلَّ عملٍ مشروعٍ يُفْعلُ لله تعالى .. مثل الوقف وغيره". لكنْ لو تأملنا الأمثلة الأخرى التي ذكرها صاحبُ "نصاب الاحتساب" للأعمال الحسْبية من مثل أداء الشهادة والقضاء، لوجدْنا أنّ جانب الإيثار وتطلُّب الأجر الأخروي أظهر في الوقف منه في القضاء أو في المناصب السلطوية الأخرى ـ بما في ذلك الإمامة الكبرى إن لم يصلُحْ لها غيره ـ والتي يبدو فيها جانبُ المنفعة الشخصية وإن بحدودٍ متفاوتة.بيد أنّ للحسبة جانباً آخر. فالجانبُ الأولُ، الذي يدخُلُ ضمنه الوقف، هو جانبُ العمل بالمعروف والمشروع رجاءَ الثواب. أما الجانبُ الثاني فهو جانبُ الانتهاء عن المنكر والنهي عنه. ولذلك يقول الإمام الغزاليُّ (ـ 505 = 1111) عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنه القطبُ الأعظمُ في الدين(2). ويقول ابن تيمية (ـ 728 = 1327): "إنّ كلَّ الولايات حِسْبة، وإنّ مقصودها أن يكونَ الدينُ كلُّهُ لله، وأن تكونَ كلمةُ الله هي العليا" (3).

وهكذا يصير الوقْفُ فرعاً على الفلسفة الكبرى للدين نفسه، والتي يُشبه أن تكونَ عقداً بين الفرد وربّه، أو أنه دَيْن بالمعنى كما يقول الأنتروبولوجيون. {إن تُقرضوا الله قرضاً حَسَناً يُضاعفْهُ لكم ويغفر لكم …} [سورة التغابن: 17].
وإذا كان الوقفُ بوصفه عملاً حِسْبياً دَيْنًا من هذه الجهة؛ فإنه من جهةٍ ثانيةٍ من أجلّ وجوه الكسْب لصاحبه لأنه عملٌ للعباد أو بعض فئاتهم من طريق العمل لله(4): " فالكسْب نظامُ العالَم، والله تعالى حَكَم ببقاء العالَم إلى حين فنائه، وجعل سببَ البقاء والنظام كَسْبَ العباد، وفي تركه تخريب نظامه … ولهذا فهو فريضةٌ على كل مسلمٍ، كما أنّ طلب العلم فريضة …". وبذلك يصبح العمل، والعمل الذي تتوافر فيه النية، أي الحسبة بالذات، عبادةً أو بمنزلة العبادة.
أ. المشروعية: يستشهد العلماء لمشروعية الوقف بقوله تعالى: {لن تنالوا البرَّ حتى تُنفقوا مما تُحبُّون} [سورة آل عمران: 92]. فالوقف ليس عطاءً عاديا، بل فيه شيءٌ من الشِدَّة على النفس بتخلّيها عما تُحبُّه. ـ و{يا أيها الذين آمنوا أنفِقوا من طيّبات ما كسَبتم ومما أخرجْنا لكم من الأرض} [سورة البقرة: 167]. فالإنفاقُ المشروعُ من الطيّب العزيز على صاحبه من جهة، وهذا يعني من جهةٍ أُخرى حُرمة وقْف الكسْب الحرام، وحُرمةَ الوقف على معصية. وفي الحديث الشريف: " إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُهُ إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفعُ به، أو ولد صالح يدعو له". والواقعُ أنّ الصدقة "الجارية" هي الوقفُ بعينه لأنّ منفعتها مستمرّة, وكذلك الأمر في العملين الحسْبيَّين الآخرين: العلم النافع الذي يتوارثُهُ التلامذة أو يخلّدُ في الكتب، وأخيراً بقاء الذكر الحسن بالولد الصالح الذي قال صاحبُ الدر المختار إنه القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد(5).
ويستدلُّ العلماءُ أيضاً على مشروعية الوقف بحديث عمر أنه أصاب أرضاً من أرض خيبر، فقال: يا رسول الله! أصبتُ أرضاً بخيبر لم أُصِبْ مالاً قطُ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرني؟ فقال: إن شئتَ حبَّسْتَ أصلها وتصدَّقْتَ بها! فتصدَّقَ بها عمر على ألاّ تُباع ولا تُوهَب ولا تُورث: في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جُناح على مَنْ وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعمَ غيرَ متموِّل(6). وقد قال ابن حجر في "فتح الباري": إنّ حديثَ عمر هو أصلٌ في مشروعية الوقف(7). وحديثُ عمر هذا فيه المعنى البارز للحسبة بقوله: "لم أُصِبْ مالاً قطُّ أنفَس عندي منه"(8). والمعنى البارز للوقف: حبس العين وإجراء المنفعة(9). لكن فيه أيضاً العنصر الآخر المؤكّد للاختيار الفردي البحت، وللمعنى الرسالي أو الحسْبي، فقد قال له رسول الله [صلى الله عليه وسلّم]: إن شئتَ! فالأمرُ ليس واجباً دينيا؛ بل هو عملٌ فرديٌّ احتسابيّ ييَشقُّ المرءُ في فعله على نفسه من أجل التسامي ورجاءَ الأجر؛ فضلاً ـ طبعاً ـ عن وعيٍ غلاَّبٍ بالحاجات الاجتماعية والإنسانية: يقول صاحب الدر المختار: حكمة الوقف أو سببه في الدنيا بَرّ الأحباب، وفي الآخرة تحصيل الثواب(10)!

ب. وجوه الخلاف: اختلف الفقهاءُ في مِلْكية الموقوف، أو في مآلاتها. فقال أبو حنيفة (ـ 150 = 767): إنه يبقى في مِلْك صاحبه، ولذلك فهو غيرُ لازمٍ، ويستطيع الرجوعَ عنه، كما يستطيع بيعه. ويتفق المالكية مع أبي حنيفة في بقاء الموقوف بملك الواقف، وعدم تأبيده. أمّا أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة، والشافعية والحنابلة فيذهبون إلى انقطاع ملكية الواقف للموقوف، وانتقاله إلى ملكية الله تعالى، بمعنى أنه على التأبيد وأنه لا يُباعُ ولا يورَث(11). ولا شكَّ أنّ هذا الرأي هو الذي يتفق والمعنى الحِسْبي للوقف؛ وبخاصة أنه استند إلى نيةٍ واختيارٍ فرديٍ عميق، فلا يمكن الرجوعُ عنه وإلاّ تنافى مع المعنى المقصود منه، وصار بمثابة الهدية أو الهبة التي تُعطى عادةً لمنفعةٍ مباشرة؛ بل إنها تتوقفُ عادةً عليها.
بيد أنّ أبا حنيفة الذي قلّل من المعنى الحسْبي للوقف، واعتبره هبةً عاديةً يمكن الرجوعُ عنها، وترتبط بحياة صاحبها، أصاب حين لم ير مشروعية الوقف الذري أو الأهلي لاصطدامه بأحكام الإرث من جهة، ولضآلة المعنى الحسْبيّ فيه من جهةٍ ثانية؛ إذ إنه وقفٌ على الورثة أو بعضٍ منهم. يقول الكنديُّ في " الوُلاة والقُضاة " عن سعيد بن أبي مريم(12): " قدم علينا إسماعيل بن اليسع الكندي قاضياً بعزل ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنه كان يذهب إلى مذهب أبي حنيفة، وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقُلَ على أهل مصر وشنِئوه ..". فالمعروفُ أنّ الوقفَ منذ القرن الثاني الهجري على الأقلّ وقفان: خيري وأهلي أو ذري. ومع أنّ الوقف الخيريّ هو الذي يتحقق فيه المعنى الكامل للحسْبة أو رجاء الأجر. أو معنى أنه "قُربةٌ وطاعةٌ لله"؛ فإنّ الناس احتاجوا إلي الوقف الأهلي وبخاصةٍ في العصور المتأخرة بسبب كثرة الاعتداء من جانب السلطان والقضاة على تركات الصغار. فكان الأهل يلجأون إلى الوقف على ذريتهم حتى لا تستطيع السلطات التدخل. وقد كان في ذلك نوعٌ من الصون للملكية الخاصة، ومنعٌ لتشرذم التركة في الجيلين اللاحقين على المورِّث(13). لكنّ المعروف أيضاً أنّ الأوقاف الأهلية تشرذمت وتوزعت وتضاءلت أنصبة المنتفعين منها في العصور المتأخرة فضلاً عن سوء إدارتها؛ بحيث كان من الضروريّ إلغاؤها ـ وهذا ما حدث في غالبية الدول العربية والإسلامية. فلا حاجةَ لرثائها لضآلة معنى الوقف فيها، ولأنها ما عادت تؤدي أيَّ غرضٍ من الأغراض المقصودة منها، كما أنه لم تعد إليها حاجةٌ من أجل صَون الملكية، لأنّ الاعتداء على الملكية الخاصة ما عاد ممكناً(14).


الحواشي
       (1) لسان العرب، مادة (حسب). وقارن بالسنامي: نصاب الاحتساب، تحقيق موئل عز الدين، دار العلوم، 1982، ص 13؛ وعبد الله محمد عبد الله : ولاية الحسبة في الإسلام، مكتبة الزهراء، 1996، ص ص 53 ـ 60، والفضل شلق: الحسبة، دراسةٌ في شرعية المجتمع والدولة؛ بمجلة الاجتهاد، عدد 2، شتاء العام 1989، ص ص 15 ـ 89 وبخاصةٍ ص ص 15 ـ 21.
       (2) الغزالي: إحياء علوم الدين ، نشرة دار المعرفة ببيروت، بدون تاريخ، 2/306.
       (3) ابن تيمية: الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية، بيروت، دار الكاتب العربي ،بدون تاريخ ؛ ص2.
       (4) محمد بن الحسن الشيباني: الكسب ، بتحقيق سهيل زكار، دمشق، 1980، ص 47.
       (5) الدر المختار وردّ المحتار، 3/392. وقارن بوهبه الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، م 8، 160 وما بعدها، دار الفكر للنشر، 1985، ص ص 160 ـ 168. وفي شأن عدم جواز الوقف من حرامٍ أو على معصية؛ قارن بأبي إسحاق الشيرازي: المهذّب، مصر، 1316هـ، 1/441، ومحمد بن عبد العزيز بنعبد الله : الوقف في الفكر الإسلامي. وزارة الأوقاف بالمغرب ؛ م2، ص 207 ـ 215.
       (6) رواه الجماعة؛ قارن بالشوكاني : نيل الأوطار 6/20.
       (7) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، طبع الريان، 1979، م14، ص ص366 ـ 368. وقارن بالخصّاف: أحكام الأوقاف، القاهرة، 1904، ص ص 3 ـ 17.
       (8) الدر المختار، 3/399 ـ 400.
       (9) قارن بتعاريف مختلفة للوقف في محمد عبيد الكبيسي: أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية ، بغداد ، 1977، 1/58 ـ 89، ومحمد أبو زهرة: محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي بالقاهرة ، 1971، ص 40 ـ 42.
       (10) الدر المختار، 3/401.
       (11) قارن بالآراء المختلفة في ملكية الوقف لدى السرخسي: المبسوط، مصر، مطبعة السعادة، 1331هـ، 12/27، والدردير: الشرح الصغير على أقرب المسالك، تحقيق مصطفى كمال وصفي، 4/106. وانظر: رضوان السيد: الاجتهاد والتجديد في مسائل الأوقاف والزكاة في الوطن العربي، بمجلة المستقبل العربي، عدد 259، م9/2000، ص ص50 ـ 61 وبخاصةٍ ص ص 51، 52.
       (12) الكندي: كتاب الولاة وكتاب القضاة، نشر رفن كست، بيروت 1908، ص 371.
       (13) قارن عن مشكلات الوقف الذري أو الأهلي مقدمتي على كتاب الطرسوسي: تحفة الترك، دار الطليعة، 1992، ص ص 38 ـ 40. وانظر للطرسوسي نفسه: أنفع الوسائل في تحرير المسائل، مصر، 1926، ص ص 66 ـ 98. وانظر عن محاولات الاعتداء على الأوقاف، المقريزي: السلوك، تحقيق سعيد عاشور، القاهرة، 1970، 3/1/345 ـ 347، ومحمد محمد أمين: الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980، ص 326 ـ 330، وحياة ناصر الحجي: السلطان الناصر ونظام الوقف في عهده، مكتبة الفلاح، 1983، ص 50 ـ 51.
       (14) قارن بمقدمة ابن خلدون. تحقيق علي عبد الواحد وافي. القاهرة، 1959، م3، ص1991، ومحمد بن عبد العزيز بنعبد الله: الوقف في الفكر الإسلامي، مرجع سابق، م2، ص ص 216 ـ 220، وإبراهيم بيومي غانم: الأوقاف والسياسة في مصر، دار الشروق بالقاهرة، 1998، ص ص 339 ـ 352، و ص ص 460 ـ 464.
المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد ـ 4/ 1/ 1438 = 5/ 10/ 2016

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

 


إنّ موقع "وقفنا" حريص كلّ الحرص على أن يكون ما ينشر فيه منحصرا في مهمّته؛ وهي: "إحياء سنّة الوقف ونشر ثقافته". وإنّ ما ينشر في موقع "وقفنا" لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، ولا يقع ضمن مسؤوليّة القائمين عليه


هذا بيان إلى حضرات الزوار الأعزّاء لموقع "وقفنا" بأنّه ليس لدى الموقع أموالا لمساعدة الأفراد ولا الجماعات والمؤسّسات أيّا كانت. وليس ذلك من مهمّتنا.ولا نملك أيّ كتب للبيع أو التوزيع المجّاني. ونهيب بجميع المتصفّحين الكرام أن يستفيدوا ويتفاعلوا مع ما ينشر في الموقع من علم نافع. سائلين الله تعالى أن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.