Download putty ssh for windows
الصفحة الرئيسية >> بحوث ودراسات >> عام >> الوقف ومقاصد الشريعة

الوقف ومقاصد الشريعة

تقييم المستخدم: / 1
ضعيفجيد 

altبقلم الدكتور رضوان السيد
(الموضوع المنشور أدناه هو الجزء الثاني من دراسة نشرت قبل خمسة عشر عاما أي في سنة 2001 م تحت عنوان " الوقف معناه وفلسفته"، وتتكون في نصّها الأصليّ من خمسة مسائل؛ الأولى: الوقف والاحتساب، وقد سبق نشرها في موقع وقفنا". الثانية: الوقف ومقاصد الشريعة، ولعلّ الله ييسر نشر بقية المسائل؛ لأنّ حاجة كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالأوقاف لهذه المسائل ضرورية ديانةً؛ لاسيما مع انشغال الوقفيين عنها وقلّة عنايتهم بها. وقد سمح الأستاذ الدكتور رضوان السيد في نشرها هنا مشكورا مأجورا إن شاء الله ـ بالرغم من أنها منشورة في موقعه الألكتروني. وقد أجرى الموقع مراجعة لبعض المعلومات المرجعيّة فيه وأبقى ترقيم الإحالات كما هو في أصل الدراسة).

 لا نعرف حتى اليوم متى تبلورت أُطروحة " مقاصد الشريعة " لدى الفقهاء المسلمين. فقد اعتاد المفسّرون منذ الطبري (ـ 310 = 922) على القول إنّ الشريعة تصون الأنفس أو الأبدان والأموال والأعراض من طريق الحدود: حدّ القتل، وحد السرقة ، وحدّ الزنا والقذف(15). وأولُ مَنْ نعرفه حتى الآن ذكر المقاصد بشكلٍ موجزٍ ولكنْ مستقلّ هو إمام الحرمين الجُويني (ـ 478 = 1085) الذي يتحدث ـ وإنْ في معرضٍ غير ملائم ـ عن المقاصد الكلية و"القطعية" للشريعة؛ وهي صَون الدين والعقل والنفس والعِِرض أو النسْل والمال أو المِلْك (16). والمعروف أنّ " المقاصد " لم تَغِبْ بعد ذلك عن كتب الأُصوليين من الفقهاء، إلى أن أفردها بالتأليف والتفصيل أبو إسحاق الشاطبي (ـ790 = 1388) في الموافقات. وعند الشاطبي ذُكرت الأوقاف في سياق ذكر الضروريات أو المصالح الضرورية للعباد، والتي أُنزلت الشريعةُ بل الشرائعُ من أجل صَونها؛ وهي الخمسُ المذكورةُ من قبل: النفس والعقل والدين والنسل والمِلْك(17). وهكذا فإنه بالكشف عن أنّ مقاصد الشريعة الكلية أو القطعية هي نفسُها مصالحُ العباد(18)، تبدو الأعمالُ الحسْبيةُ من مثل الصدقة والوقف وسائر وجوه البِرّ بين أكبر المحقِّقات لتلك المصالح.

والمعروف، ما دام الأمر بهذه المثابة، أنّ مباحثَ الاستصلاح والمصالح المرسَلة (وما شابهها من مثل العادة والعُرف والاستحسان وقاعدة رفع الحرج، وقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد … الخ) بُحثت من قبل في زمن بناء علم الأصول، تارةً باعتبارها دليلاً فرعياً (مثلما هو الأمر عند المالكية)، وطوراً باعتبارها من مسائل تحقيق المناط (مثلما هو الأمر عند الشافعية والحنفية والحنابلة). والذي أراهُ في علّة تأخر ربط الأعمال الحسْبية ومنها الوقف بالمصالح، واستطراداً بمقاصد الشريعة أمران؛ الأول: الارتباط الشديد في القرنين الثاني والثالث للهجرة بتأثيرٍ من المعتزلة، بين أصول الدين وأصول الفقه؛ بحيث اضطُرَّت سائر التيارات الفكرية إلى اعتبار أصول الفقه أو مباحث منه من العقائديات والتعبديات، والأعمالُ الحِسْبيةُ تدخل ضمن المعنى الكبير للدين، لكنّ فيها جانباً اختيارياً بارزاً ليس بالوسع تجاهُلُهُ أو استيعابُهُ ضمن بحوث التأصيل. والأمر الثاني أنه عندما ذُكرت المصالح باعتبارها مضامينَ لمقاصد الشريعة قيل إنها ضروريةٌ وقطعية. لكنّ الأمر ليس كذلك في قضية الوقف؛ بل الأدنى للاعتبار في هذه الحالة هو الزكاةُ المفروضةُ. وهذا هو الفرقُ فيما أحسبُ بين العِلّة والمقصِد على الرغم من المشتركات بينهما في وجوهٍ أُخرى. فالزكاة معلَّلةٌ في القرآن بأنها تطهير [سورة التوبة: 103]، وبأنها حقٌ للسائل والمحروم [سورة الذاريات: 19]. بينما في الأعمال الحسْبية مثل الوقف هناك استحثاثٌ وتحدٍ من مثل قوله تعالى: {إن تُقرضوا الله قرضاً حسَناً …} [ سورة التغابن: 17]؛ فالأمْرُ موقوفٌ على إرادة العامل أو الواقف ونظره للدين وللجماعة وللأمة، ورؤيته لاحتياجاتها. وهكذا تكونُ الزكاةُ للضرورات، ويكون الوقفُ للحسبيات المتصلة بالوعي بالمستقبل واحتياجاته. ولهذا فقد بدأ الحديثُ فيه من هذه الوجهة، وجهة الترابط بين المقاصد والمصالح عندما قسّم الشاطبي المصالح إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات(19)؛ فدخَلَت بعضُ وُجوه الوقف في الحاجيات، ودخل بعضُها الآخر في التحسينيات، تبعاً لأهمية موضوع الوقف ومجاله. فالمقاصدُ عند الشيخ ابن عاشور إنما هي "حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصالح المهيمن عليه وهو نوعُ الإنسان(20)"ـ أو أنّ المقاصد الشرعية إنما تنحصر في "جلب الصلاح ودرء الفساد"(21). ولا شكَّ أنّ الوقف بهذا المعنى داخلٌ ضمن المصالح التي تندرجُ في مقاصد الشريعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواشي

الحواشي:

(15) قارن بعبد المجيد الصغير: الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، دار المنتخب العربي، بيروت، 1994، ص ص 347 ـ 357.
(16) الجويني: غياث الأُمم في التياث الظُلَم. تحقيق عبد العظيم الديب، قطر، 1400هـ ، ص 112، فقرة رقم 46. وقد حققه في الفترة نفسها فؤاد عبد المنعم أحمد.
(17) الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، بتحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز. المكتبة التجارية بمصر، بدون تاريخ،1/38.
(18) الموافقات، مصدر سابق، 2/9-12. وقارن بحمادي العبيدي: الشاطبي ومقاصد الشريعة، مكتبة قتيبة، 1992، ص ص 139 ـ 147.
(19) الموافقات ، مصدر سابق ، 2/10-12 .
(20) قارن بالطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، نشر الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1978، ص 63.
(21) مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص 64. وقارن بنور الدين بوثوري: مقاصد الشريعة، التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد وقصور الاجتهاد، دار الطليعة، بيروت، 2000، ص ص 30 ـ 32.

المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد ـ 28/ 1/ 1438 = 29/ 10/ 2016

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

 


إنّ موقع "وقفنا" حريص كلّ الحرص على أن يكون ما ينشر فيه منحصرا في مهمّته؛ وهي: "إحياء سنّة الوقف ونشر ثقافته". وإنّ ما ينشر في موقع "وقفنا" لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، ولا يقع ضمن مسؤوليّة القائمين عليه


هذا بيان إلى حضرات الزوار الأعزّاء لموقع "وقفنا" بأنّه ليس لدى الموقع أموالا لمساعدة الأفراد ولا الجماعات والمؤسّسات أيّا كانت. وليس ذلك من مهمّتنا.ولا نملك أيّ كتب للبيع أو التوزيع المجّاني. ونهيب بجميع المتصفّحين الكرام أن يستفيدوا ويتفاعلوا مع ما ينشر في الموقع من علم نافع. سائلين الله تعالى أن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.