Download putty ssh for windows
الصفحة الرئيسية >> بحوث ودراسات >> عام >> الأوقاف والتنمية

الأوقاف والتنمية

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

بقلم الدكتور رضوان السيد
(الموضوع المنشور أدناه هو الجزء الخامس والأخير من دراسة نشرت قبل خمسة عشر عاما أي في سنة 2001 م تحت عنوان "الوقف معناه وفلسفته"، وتتكون في نصّها الأصليّ من خمسة مسائل؛ الأولى: الوقف والاحتساب، والثانية: الوقف ومقاصد الشريعة، والثالثة: الوقف وحقوق الله والعباد، والرابعة: الوقفُ والسياسةُ الشرعية. وقد سبق نشرها في موقع وقفنا" بحمد لله. وقد أشرنا فيما سبق إلى حاجة كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالأوقاف لهذه المسائل؛ لاسيما مع انشغال الوقفيين عنها وقلّة عنايتهم بها. وقد سمح الأستاذ الدكتور رضوان السيد في نشرها هنا مشكورا مأجورا إن شاء الله ـ بالرغم من أنها منشورة في موقعه الألكتروني. وقد أجرى الموقع مراجعة لبعض المعلومات المرجعيّة فيه وأبقى ترقيم الإحالات كما هو في أصل الدراسة).

فكرة الوقـــف في الأساس فكرةٌ تنموية المــنحى(42) ، شأن سائر الفرائض والمندوبات ذات المقصد الحسْبي. ويرجع ذلك إلى أصلها باعتبارها قُربة، والمتصل باختيار الفرد، وصراعه مع نفسه من أجل الإحسان والإجادة. ثم لأنّ المجالات التي يعملُ فيها الوقف تتّسمُ بالتنامي والزيادة، فالوقف يطمح إلى تلبية تلك الاحتياجات التي لا يمكنُ الوفاءُ بها إلاّ بنموّ الوقف، وقدرته على الإنــتاج من أجل الإسهـام في نموّ الأمة والمجتمع وتحقيق وظائفهما في العالَم. وهذا الطابع الرسالي لفكرة الوقف والزكاة، يُعطي العملَ والكسْب طابعاً رسالياً أو تعبُّدياً تُعبِّرُ عنه حقيقةُ أنّ الوقف إنما هو " حبْس العين وتسبيل المنفعة " والمنفعة المقصودةُ من الوقف قائمةٌ في نموّها على العمل الذي يتضمَّنُ تراكُماً مادياً ضرورياً لأداء الوظائف من جهة ـ وهو ضروريٌّ أيضاً للوصول إلى المعاني والمقاصد غير المادية للأوقاف. وقد دفع هذا المعنى المزدوج للعمل في الإسلام: تحقيق النموّ المادي وارتباطه بزيادة الزكاة والصدقات والأوقاف؛ وبذلك زيادة "الكسْب الحِسْبي" إذا صحَّ التعبير؛ دفع هذا المعنى للكسْب، وظهور الثروات الكبيرة، وازدهار التجارة البعيدة المدى، وحدوث ثورة زراعية في عالم الإسلام الوسيط ـ إلى التساؤل من جانب باحثين ومهتمين عن أسباب عدم ظهور الرأسمالية، التي أدت إليها نظرةٌ مُشابهةٌ للعمل والكسْب، في أوروبا على مشارف القرن السابع عشر الميلادي (43).
تجلَّى المنحى التنموي للوقف إذن في ارتـباطه بمستقبل الاجتماع البشري في عالم الإسلام في إقبال أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب على "وقف" الأرض الزراعية لتفيدَ منها الأجيالُ الجديدةُ للأمة بدلاً من أن تحتكرها أُسَرُ الفاتحين. كما تجلَّى ذلك المعنى نفسه في اتساع مجالات الوقف، واتصالها بالمصالح الاستراتيجية للمجتمع وليس الآنية فحسب؛ في حين كانت مصارفُ الزكاة محـدَّدةً في وجوهٍ لمكافحة الفقر والعَوَز، وتلبية المطالب العاجلة المُلِحّة. لقد انقسمت الأوقافُ الخيرية كما هو معروفٌ إلى قسمين كبيرين: القسم التعبُّدي، الخاصّ بالإنفاق على المساجد والزوايا والأربطة وطرق الحجيج، وما يتصل مباشرةً بشؤون أداء الفرائض الدينية . والقسم الاجتماعي والثقافي النوعي المتجلّي في استحداث المدارس والأسبلة والخانات ووجوه التجدد والعيش الأخرى ذات الطابع التحسيني والتنموي. وإذا كانت فكرة التنمية غير ظاهرةٍ في القسم التعبُّدي والحسْبي البحت رغم وجودها؛ فهي ظاهرةٌ فعلاً في القسم الاجتماعي والثقافي المتصــــل بالتنــمية البشريـــة من جهة، وتنـمية وجوه الكسْــب من جهةٍ أُخرى (44).
ومع أنّ الخَلَلَ لم يظهر في الوقف ووظائفه قبل القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي؛ فإنّ تراجع فكرة التنمية في الأوقاف، صار واضحاً قبل ذلك بكثير. وقد تجلَّى هذا الاضطراب في اضطرار السلطانين نور الدين زنكي، وصــلاح الدين الأيوبي، إلى ضمّ أراضٍ وعقارات من أراضي الإقطاع، وأملاك الدولة إلى الوقف لاستحداث بعض الخدمات، ووجوه البِرّ والخير. وظلَّ الأمر على هذا النحو بعد ذلك حتى القول بمشروعية وقف النقود في القرن السادس عشر الميــلادي، أيام العثمانيين(45). وهكذا فإنّ ازدهار الأوقاف في حِقَبٍ معيَّنةٍ كان تعبيراً عن ازدهارٍ اقتصاديٍ وثقافيٍ في المجتمع الإسلامي، أو بتعبيرٍ آخر: الازدهارُ التجاري فيما بين القرنين العاشر الميلادي والسادس عشر أدى إلى ازدهار أعمال الوقف وزيادتها وتكاثر مجالاتها؛ بينما كان الانحسارُ الاقتصادي نتيجة الأزمات السياسية أو الأعمال الحربية، أو تراجع النشاط التجاري، أو الطواعين؛ يؤدي إلى تراجع أعمال الوقف الخيري، وزيادة أعمال الوقف الأهلي، وزيادة تدخل الدولة من أجل إيقاف أراضٍ وعقاراتٍ، واستحداث مرافق تدعم الوضع الاجتماعي. فالأوقاف ما كانت رافعاً من روافع الأوضاع الاقتصادية بمعنى أنها ما كانت تُسهم إسهاماً ظاهراً في التنمية ؛ بل صارت مرآةً شفّافةً للأوضاع الاقتصادية والسياسية، تنحسرُ بانحساراتها، وتزدهر بازدهارها. فقد كان أكثر الواقفين الكبار من التجار ورجالات الدولة أو نسائهم، وعندما تتراجع الحركة الاقتصادية، أو تضطرب الأوضاع السياسية، تتضاءلُ قدرةُ هاتين الفئتين على الإنفاق، فتتراجعُ أوضاع الأوقاف أو مقاديرها. وهكذا فإنّ نموَّ الأوقاف كان في الأعمّ الأغلب نمواً كمياً، بسبب طبيعة الموقوفات من جهة، وطبيعة إدارة الوقف من جهةٍ ثانية، والاختلال الناجم عن الثبات النسْبي للناتج من الأوقاف، والزيادة المطّرِدة في الإنفاق على المرافق الموقوف عليها. فالعين المحبوسة والتي كانت تؤجَّرُ لِمددٍ تطول أو تقصُر ما كانت تحقّق زيادةً في الإنتاج؛ بل الذي كان يحدُثُ عكسَ ذلك في الأغلب لسوء الصيانة أو الإدارة، ولشروط الواقف التي تحولُ دون حرية الحركة حتى لو توافر الأوصياءُ المُبْدِعون. ثم كان هناك الخوف الدائم من أن يؤدي التغيير أو الاستبدال إلى ضياع الوقف، وبالتالي ضياع المرفق الموقوف عليه (46). والذي كان يحدُثُ في كثيرٍ من الحالات أنه عندما تتضاءلُ مواردُ الوقف؛ فإنّ واقفين آخرين كانوا يتدخلون لإضافة أوقافٍ جديدةٍ أو لاستحداث مرفقٍ جديدٍ مُشابهٍ بأوقافٍ جديدة. ولذلك كانت المساحات الموقوفةُ تتزايدُ بدون توقُّف، دون أن يعني ذلك زيادةً نوعيةً في الخير الاجتماعي أو الرفاه الاجتماعي. ثم إنّ الأوقاف وإن كانت مؤسَّسةً في فكرتها (بمعنى أنها تقتضي الاستمرار)، لكنها لم تُصبح كذلك في سيرورتها رغم توحُّد جهة الإشراف عبر العصور. فوقف نظام المُلْك على نظامياته العشر ظلَّ قائماً من الناحية النظرية، لكنّ المدارس تضاءلت عدداً وعُدَّةً بعد جيلين لهلاك أُسرة نظام المُلْك، وظهور أُسَرٍ جديدةٍ وواقفين جُدُد أنشأوا مدارس جديدةً حين كانت النظاميات في طريقها إلى الزوال. والأمر نفسه يمكن قوله عن أوقاف سلاطين المماليك وأُمرائهم. فقد طال عُمُرُ أوقاف السلطان الناصر محـمد بن قلاوون (693-741 = 1293-1340) (بمعنى استمرار القدرة على الإنفاق على المرافق الموقوف عليها، وليس مجرد استمرار تحبيس العين) لطول مدة سلطانه من جهة، ولأنَّ أَولاده حكموا من بعده حتى قيام سلطنة الجراكسة. ويمثّل "وقف النقود" محاولةً جادَّةً لتجاوز مسألة "تحبيس العين" أي تجميد قيمتها وإنتاجها عند حدٍ معيَّنٍ في الواقع . لكنّ سيطرة فكرة " بقاء " العين بشكلٍ من الأشكال، حدَّ من فائدتها وحركيتها. ولهذا فما يقالُ من أنّ ثلث أرض مصر، أو رُبْع أراضي الدولة العثمانية كانت وقفاً، يُعبّر من جهةٍ عن الالتزام العالي الوتيرة بالاحتياجات الاجتماعية؛ لكنه يُعبّر من جهةٍ ثانيةٍ عن عجز المؤسسة عن النمو إلاّ بالطرائق الكمية التقليدية.
***
يذكر بعضُ الباحثين أنّ الإقبال على الوقف تضاءل إلى حدٍ بعيد (47). لكنّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم يقول: الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة (*). فهناك مؤشّراتٌ كثيرةٌ على عودة أصل الوقف ومعناه الحسْبي إلى التوهُّج من جديد. كما أنَّ فكرة التنمية النوعية وليس الكمية وحسْب بارزةٌ في تنظيمات إدارات الوقف والزكاة في سائر أنحاء العالَم الإسلامي اليوم. وهي فكرةٌ لم تعُدْ جديدةً بدليل قيام البنك الاستثماري للوقف قبل حوالي المائة عام (48). وبدلــيل وجود مؤسَّساتٍ وقفية تدير وتنمي مرافق يزيدُ عُمُرُها على القرن أيضاً. فــإذا كان الكَسْب نظامَ العالَم ، كما يقول محمد بن الحسن الشيباني (-189 = 804) (49)؛ فإنّ العملَ الخيريَّ القائمَ على الاحتساب، والوعي الواسع، والثقة بالله وبالأمة ومستقبلها، هو مناطُ هذا الكـسْب ومعناه: ألم يقل صلواتُ الله وسلامُهُ عليه: إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلةٌ فليغرسها ؟‍!

الحواشي
ـــــــــــــــــــ
(42) قارن عن ذلك؛ عبد العزيز الدوري: دور الوقف في التنمية؛ بمجلة المستقبل العربي، 1997، عدد7، ص ص 5 ـ 19، وإبراهيم بيومي غانم: نحو إحياء دور الوقف في التنمية المستقلة (دراسة غير منشورة، 1997)، ص 6 - 8، ومنذر القحف: الوقف الإسلامي، تطوره، إدارته، تنميته، دار الفكر المعاصر، 2000، ص ص 101 - 146، ومحمد الأرناؤوط: دور الوقف، مرجع سابق، ص ص 78 - 86.
(43) قارن عن ذلك؛ ماكسيم رودنسون: الإسلام والرأسمالية، الترجمة العربية، 1982، ص ص 20 - 28، ورضوان السيد: ماكس فيبر في الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية؛ سلطة الأيديولوجيا وعلائقها الاقتصادية والاجتماعية؛ في رضوان السيد: الجماعة والمجتمع والدولة، مرجع سابق، ص ص 337 - 355 .
(44) قارن على سبيل المثال للسعيد بوركية: دور الوقف في الحياة الثقافية بالمغرب. المغرب 1996، وندوة (تحرير عبد العظيم رمضان): تاريخ المدارس في مصر الإسلامية، 1991، ويحيى الساعاتي: الوقف وبنية المكتبة العربية، الرياض، 1998.
(45) قارن عن وقف النقود: John Mandaville, “ Usurious Piety: The Cash Waqf Controversy in the Ottoman Empire”, IJMES. 1979, Vol.10.N.3.PP.306-323; Murat Cizakza, “ Changing Values and the Contribution of the Cash Endowments 1585-1823; in F.Bilici, Le Waqf dans le monde Musulman Contemporain, Op. Cit. PP.61-70. ومحمد الأرناؤوط: دور الوقـف في المجتمعات الإسلامية ، دار الفكر المعاصر، 2000، ص ص 11- 34 (تطور وقف النقود في العصر العثماني)، ومراجعة رضوان السيد لكتاب ريتشارد رب: مفـتي اسطنبول، بمجلة الاجتهاد، السنة الأولى،عدد 3، 1989، ص ص 287-295.
(46) قارن بالزيلعي : تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ،م5 ، ص 192-193 ، وحاشية ابن عابدين بهامش البحر الرائق ، م5 ، ص ص 302-306 . وقارن بمحاولاتٍ فقهية ذات طابع تقليدي لحل مشكلات الوقف المستعصية ؛ محمد قدري باشا : قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف ، مصر 1302 هـ ، ص ص 44-49 ، وعبد الوهاب خلاف : أحكام الوقف ، القاهرة 1951 ، ص ص 202-205 ، ومحمد عفيفي : الخلوّ في الأوقاف في مصر في العصر العثماني ؛ بمجلة الاجتهاد ، السنة الثامنة ، عدد33 ، 1996 ، ص ص 186-197 ، وللمؤلف نفسه : الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني ، القاهرة 1991 ، ص ص 145-151 .
(47) قارن بمحمد بن عبد العزيز بنعبد الله : الوقف في الفكر الإسلامي ، مرجع سابق ، م2 ، ص ص 223-242، وإبراهيم بيومي غانم : الأوقاف والسياسة ، مرجع سابق ، ص ص 386-422 .
(48)Faruk Bilici, Les Waqfs monetaires a la fin de l’Empire ottoman et au debut de l’epoque republiqaine en Turquie: des caisses de solidarite vers un systeme
bancaire moderne in: Le Waqf dans le monde Musulman, Op.Cit.51-60.
وابراهيم بيومي غانم : الوقف والسياسة ، مرجع سابق ، ص ص 501-514 ، ومروان قباني : مؤسسة الوقف في التطبيق المعاصر ؛ في : أوقاف ، العدد التجريبي . الأمانة العامة للأوقاف ، الكويت ، 2000 ، ص ص 73-97.
(49) محمد بن الحسن الشيباني: الكسب، تحقيق سهيل زكار, دمشق ، 1980، ص 47.
المصدر: موقع الدكتور رضوان السيد ـ 16 /6 / 1438 = 15 / 3/ 2017
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) تعليق موقع وقفنا على حديث " الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة": قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 104): " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". لا أصل له . قال في " المقاصد " : قال شيخنا يعني ـ ابن حجر العسقلاني ـ : لا أعرفه. وقال ابن حجر الهيثمي الفقيه في " الفتاوى الحديثية " ( 134 ): لم يرد هذا اللفظ. قلت: ولذلك أورده السيوطي في "ذيل الأحاديث الموضوعة" رقم ( 1220 ) بترقيمي ويغني عن هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما...إلخ.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

 


إنّ موقع "وقفنا" حريص كلّ الحرص على أن يكون ما ينشر فيه منحصرا في مهمّته؛ وهي: "إحياء سنّة الوقف ونشر ثقافته". وإنّ ما ينشر في موقع "وقفنا" لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، ولا يقع ضمن مسؤوليّة القائمين عليه


هذا بيان إلى حضرات الزوار الأعزّاء لموقع "وقفنا" بأنّه ليس لدى الموقع أموالا لمساعدة الأفراد ولا الجماعات والمؤسّسات أيّا كانت. وليس ذلك من مهمّتنا.ولا نملك أيّ كتب للبيع أو التوزيع المجّاني. ونهيب بجميع المتصفّحين الكرام أن يستفيدوا ويتفاعلوا مع ما ينشر في الموقع من علم نافع. سائلين الله تعالى أن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.