Download putty ssh for windows
الصفحة الرئيسية >> مقالات >> عام >> شركات الوقف.. مساهمة الأموات في التنمية المستدامة

شركات الوقف.. مساهمة الأموات في التنمية المستدامة

تقييم المستخدم: / 0
ضعيفجيد 

بقلم: محمد المختار الفال
تنبهت الدول والمجتمعات في العقود الثلاثة الماضية إلى أن طرق وأساليب التنمية أدت إلى تدهور البيئة واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وظهور مشكلات اجتماعية متنوعة باتت تعوق جهود الحكومات وتشكل عبئاً على موازناتها، فدخلت مع المنظمات الدولية ومؤسسات التنمية المانحة والجمعيات الحقوقية والهيئات الأهلية في مناقشات متعددة الأطراف، بهدف إعادة النظر في مناهج استغلال المصادر الطبيعية وحمايتها من «شراهة» الرأسمالية، التي تلهث خلف تلبية «شهوة الاستهلاك»، والتفنن في ابتكار الجديد منها، ودفع الناس إلى مزيد من الارتهان لهذا السلوك، حتى أصبح الأفراد تحت سطوة شركات التقسيط وبطاقات الائتمان منذ أن يولدوا حتى يموتوا.
وانتهت المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات الدولية (قمة الأرض 1992) إلى ضرورة توجيه الاقتصاد العالمي إلى الاعتدال في استغلال الثروات، وضبط آليات الإنتاج بما يحقق متطلبات تنمية المجتمعات الحالية من دون الإضرار بحقوق الأجيال التالية، وأصبح مفهوم التنمية المستدامة، الحديث نسبياً، من المفاهيم الرائجة في هذا العصر، على رغم أن البشرية، على مر تاريخها، عرفت نتيجته من دون أن تتفق على اسمه.
وبعيداً عن تفاصيل استغلال الثروات الطبيعية ونظريات الاقتصاد، التي تترك لأهل الاختصاص، فإن غير المتخصص، مثلي، يمكنه الاطمئنان إلى أن كل تنمية مستدامة هدفها الإنسان، وكل «استدامة» تتجاهل حاجاته التعليمية والصحية والغذائية، هي تنمية أخطأت الهدف وسلكت طريقاً يهدر طاقاتها ويبدد جهودها ولا يفضي إلى المقاصد التي تدعو إلى «استعمار الأرض» واستغلال ثرواتها، لتحقيق العدل واستمرار النفع وضبط سلطة الأجيال الحالية، وعدم إطلاق يدها لهدر ما لديها وتضييع حقوق أجيال آتية، لها في وطنها نصيب كما للحاضرين نصيب فيه.
وقد تنبهت الحضارة الإسلامية مبكراً إلى ضرورة حفظ مدخرات الرخاء لمصلحة الأجيال المتتالية، ولعل «الوقف» هو الآلية التي مكنت من حفظ الثروات وتوسيع دائرة نفعها زمانياً ومكانياً، فالوقف يستمر نفعه وأثره قروناً عدة، وهو يتجاوز حدوده الجغرافية إلى اتساع حركة المستفيدين منه، بحسب شرط الواقف، والشواهد مبثوثة على امتداد العالم الإسلامي، والحقيقة أن «فلسفة الوقف» تطورت لتكون «قاسماً مشتركاً» بين المجتمعات المتحضرة، فكانت خلف قيام مؤسسات علمية وإنسانية كبرى أسهمت وتسهم بقدر عظيم في تطور البشرية وتحسين أحوال الإنسان في كل مكان، وها هي الجامعات الأولى في العالم تنهض على الوقف الذي يضمن لها استقلالها وحرية تسخير جهودها لخدمة العلم، من دون أن تنحرف عن أهدافها أو تتوقف بسبب ظروف بلدانها الاقتصادية.
وإذا كانت الأوقاف الفردية أدت، وتؤدي، دورها الجليل، على مر التاريخ، فإن اتساع أدوات التنمية وتطور أساليبها وتعدد الحاجات تتطلب إعادة النظر في تلك الجهود الفردية وتطوير إسهاماتها، وهذا ما يدعو إلى قيام «شركات وقفية» وتوسيع دائرتها والترويج لها، وفتح المجال أمامها لتطرح أسهمها للاكتتاب العام، بعد تقديم الدراسات المعمقة في مجال نشاطها وأهدافها، وفق أنظمة وقوانين واضحة صارمة، وآليات رقابة وحوكمة معترف بها، تضمن حقوق جميع المساهمين وتحمي الأموال، وتضمن استمرار الهدف بعد موت المساهمين، وهذا النوع من الشركات ينشر «ثقافة الوقف» بين أفراد المجتمعات، وأنه ليس للأغنياء فقط، بل هو باب خير مفتوح أمام الجميع ولكل من أراد أن يوقف قليلاً من المال «صدقة جارية» ينتفع بها يوم ينقطع عمله إلا من ثلاث، ومنها «الصدقة الجارية. وفكرة الوقف هي أن يرصد إنسان جزءاً من ماله لمصلحة نشاط أو فئة معينة، وفق شروط معينة. وميزة الوقف أنه يحفظ المال من الضياع أو الإسراف أو سوء التصرف على يد جيل واحد، ويضمن استمرار نفعه بعد موت صاحبه، ولهذا تمتد مشاركة الأموات في التنمية المستدامة بعد حياتهم الطبيعية.
والمجتمعات في العالم الإسلامي تعاني من ضغوط التأخر العلمي وآفات الأمراض ونقص الخدمات، وما يتشعب عنها من علل اجتماعية تؤدي في مجملها إلى تراجع برامج التنمية وعجزها عن مواكبة حاجة الناس. والدول، مهما كانت إمكاناتها، يبدو أنها غير قادرة على مواجهة هذا الطوفان من المشكلات، وسيظل إسهام الأفراد يلعب دوراً مهماً في رفع مستوى الخدمات وتنوعها وزيادة كفاءتها وتشعبها وتخصصها، ومن هنا يأتي دور المؤسسات الأهلية والإقليمية والدولية، للإسهام في تقديم الحلول ومعالجة المشكلات وابتكار الأساليب وإيجاد الآليات الكفيلة بتقديم العلاج. ومن الإنصاف الإشارة إلى الأعمال الإنسانية التي نهضت بها الأوقاف الأهلية والمشاريع الحضارية الكبرى التي تبناها بعض رجال الأعمال، على امتداد خريطة العالم الإسلامي وبعض تجمعات المسلمين في كل القارات، وهي جهود معروفة مقدرة، لكن مساحة الحاجة تدفع إلى تجاوز الجهود الفردية والتوجه نحو «الكيانات المشتركة» القادرة على تجميع الإمكانات وتعظيم دورها.
وبعض الناس يرزقه الله المال، لكنه لم يوهب مهارة إدارته أو كفاءة تسييره ليظل نفعه مستمراً، ولديه الرغبة في أن يسهم في نفع مجتمعه من خلال عمل مشترك يضمن حفظ المال وصرفه في أوجه الخير التي يتفق عليها بين الشركاء، وبعض أهل الثراء، الذين وفقهم الله لأعمال الخير في حياته، لم يرزق ذرية يطمئن إلى أنها ستمضي على هذا الطريق أو أنها لا تملك القدرة على توجيهه الوجهة الصحيحة، وعلى رغم أن هؤلاء يستطيعون إنشاء أوقاف ببعض أموالهم على شرط الواقف، لكن الشواهد تبرهن على أن بعض الأوقاف تراجع دورها وتآكلت فعاليتها وقل نفعها نتيجة سوء الإدارة أو ضعفها. لا أحد يقلل من ضرورة استمرار الأوقاف الفردية أو يدعو إلى تحجيمها، فهي مهمة وتؤدي أدواراً معروفة في رعاية الأيتام والأرامل والمسنين والمنقطعين، لكن طبيعة الحياة وتعقدها وضخامة القطاعات التي تخدم التنمية المستدامة أصبحت من الاتساع والتنوع ما يصعب على العمل الفردي تغطيته، ومن هنا تصبح الحاجة إلى الشركات الوقفية ماسة، لأنها «الوسيلة» الأنسب للعصر ومتطلباته، وهي قادرة على توحيد الجهود وتجميع الأموال الضخمة لإنجاز المشاريع الكبرى العابرة للدولة القطرية.
وهناك ما لا يحصى من المجالات التي يمكن أن تقوم فيها شركات وقفية، منها: شركة وقفية لتنمية القرى والأرياف، وأخرى لتدريب الشباب (من الجنسين) على المهن وتمكينهم من دخول سوق العمل مسلحين بالمهارات المنافسة، وشركة وقفية لتطوير المناهج العلمية في المجتمعات، وشركة وقفية للبحث العلمي، وشركة وقفية لتوفير مياه الشرب، وشركة لإنشاء وتشغيل مراكز صحية على امتداد خريطة المجتمعات الفقيرة في الدول الإسلامية، وشركة لحماية البيئة، وشركة لرعاية الأطفال مجهولي الأبوين (وتوجد جمعية رائدة في هذا المجال بدأت أعمالها في السعودية ومصر والسودان، وسيكون لها نصيب من هذه المساحة مستقبلاً إن شاء الله)، وشركة وقفية لبناء المدارس لأبناء المسلمين في الدول غير الإسلامية، إلى غير ذلك من المجالات.
الفكرة - ببساطة - هي دعوة لإيجاد «منصات» تحشد الموارد وتوجهها، في إطار القوانين، لخدمة المجتمع وفتح المجال أمام كل الناس للإسهام في هذا الهدف النبيل، بغض النظر عن تفاوت القدرات المالية.
المصدر: صحيفة الحياة اللندنية – 23/ 6/ 1438 = 22/ 3 /2017 
 
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

 


إنّ موقع "وقفنا" حريص كلّ الحرص على أن يكون ما ينشر فيه منحصرا في مهمّته؛ وهي: "إحياء سنّة الوقف ونشر ثقافته". وإنّ ما ينشر في موقع "وقفنا" لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، ولا يقع ضمن مسؤوليّة القائمين عليه


هذا بيان إلى حضرات الزوار الأعزّاء لموقع "وقفنا" بأنّه ليس لدى الموقع أموالا لمساعدة الأفراد ولا الجماعات والمؤسّسات أيّا كانت. وليس ذلك من مهمّتنا.ولا نملك أيّ كتب للبيع أو التوزيع المجّاني. ونهيب بجميع المتصفّحين الكرام أن يستفيدوا ويتفاعلوا مع ما ينشر في الموقع من علم نافع. سائلين الله تعالى أن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.