Download putty ssh for windows
الصفحة الرئيسية >> كتب >> عام >> مناقشة منهجية لكتاب "مؤسسات وقفية رائدة: تجارب ودروس"

مناقشة منهجية لكتاب "مؤسسات وقفية رائدة: تجارب ودروس"

تقييم المستخدم: / 2
ضعيفجيد 

بقلم: الدكتور عبد الرزاق بلعباس (*)
(الموضوع المنشور أدناه مناقشة لوجهة النظر التي تدعو إلى إدارة العمل  الوقفي كما هو الحال في العمل التجاري؛ التي دعا إليها كتاب: "مؤسسات وقفية رائدة: تجارب ودروس". المؤلّف الرئيس أسامة عمر سليمان الأشقر، الباحث المساعد عبد العزيز بن إبراهيم العثيم، دار النفائس،عمان، 2017. وقد تفضّل الدكتور عبد الرزاق بلعباس مشكورا وخصّ به متصفحي موقع وقفنا.)
كنت قد نبهت في مراجعة علمية سابقة لكتاب "البنك الوقفي" في موقع "وقفنا" عن مخاطر إدراج الوقف في التمويل الاجتماعي الإسلامي (social Islamic finance) أو مؤسسات التمويل غير المصرفي (Islamic non banking financial institutions)، وسوف أتناول في هذه المناقشة المنهجية لكتاب "مؤسسات وقفية رائدة: تجارب ودروس" مخاطر الدعوة إلى إدارة "العمل  الوقفي وفق مناهج وأصول علمية كما هو الحال في العمل التجاري" (ص 7)، دون التمييز بين الأصول التمويلية والوقف الأصل، أي بين التابع والمتبوع، وبين الوظيفة الاجتماعية والعائد المادي. والنتيجة الحتمية لهذه المقاربة هي إدارة المؤسسات الوقفية مثل شركات الأعمال (Business corporations).
يبدو أننا بسبب إهمالنا للتاريخ أو تناولنا له بعاطفة يجعلنا لا نتعظ من دروس الماضي. يقول الشيخ صالح الحصين (1932-2013م) رحمه الله: "إن من المحزن أن تسمع بين الآونة والأخرى حتى من إخواننا الطيبين في بلادنا الطيبة الدعوة إلى التنظيم الحكومي للأوقاف، غافلين عن الآثار المميتة لهذا الإجراء، وغير معتبرين بدروس التاريخ وسنن الحياة، وتجارب غيرنا"(1). 
والمقصود هنا من كلام الرئيس السابق لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف هو إدارة الوقف كمؤسسة عامة؛ ولعلّ هذا هو ما دفع الدكتور إبراهيم البيومي غانم إلى صياغة تأصيل نظري للوصول إلى تحديد موقف نظام الوقف ومؤسساته على محور العلاقة بين المجتمع والدولة(2). ومن المعلوم كما أشار المؤرخ عبد العزيز الدوري ـ رحمه الله ـ أنه "في القرن العشرين ـ وبخاصة في الأربعينات وما بعدها ـ أصدرت معظم الدول العربية والإسلامية قوانين خاصة بتنظيم الوقف وجعلت إدارته جزاء من الجهاز الحكومي"(3). فليس من مصلحة المجتمعات أن تُخوِّل تنظيم أوقافها للقطاع الحكومي أو لقطاع الأعمال، أي أن تديرها كمؤسسة عامة أو كمؤسسة خاصة.
بناء على هذه المقاربة تمت قراءة تاريخ الأوقاف كما جاء في مقدمة الكتاب: "إن التجربة الغربية استطاعت أن تقدم لنا النموذج المؤسسي المتميز لإدارة الأنماط الوقفية الفردية التي مارسها المسلمون عبر تاريخهم" (ص 7). هذا يُبيِّن أن المقصود بعبارة "المؤسسات الرائدة" التي جاءت في عنوان الكتاب هو المؤسسات الكبيرة التي تميزت من ناحية الإدارة. هذا يفترض أن العامل الأهم في تقييم أداء الأوقاف هو الإدارة وليس الوظيفة الاجتماعية أو الأثر الاجتماعي. مما يتعارض مع ما أشار إليه الرئيس السابق للبوسنة والهرسك علي عزت بيغوفيتش ـ رحمه الله - في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" من أنّ الأوروبيين اعتبروا الوقف مناقضاً لما يطلقون عليه القوانين الاقتصادية وأنه شذوذ من وجهة نظر الاقتصاد السياسي(4).
وأثناء إعداد بحث عن مفهوم الأوقاف في الأدبيات الفرنسية وجدت ما يُعضِّد ذلك ويسلِّط الضوء على مغزاه نسبياً. فقد جاء في "المعجم السياسي والاجتماعي الصغير" للاقتصادي الألماني والفرنسي موريس بلوك (Maurice Block) (1816-1901م) الذي صدر بباريس عام 1896م "أن الأوقاف شهدت انتشاراً كبيراً بات يضرّ بالمصلحة العامة، فالإعفاء الضريبي يَحْرِم الدولة من دخل كبير"(5). 
هذا يفرض علينا طرح سؤال جوهري: هل يمكن للأوروبيين من خلال هذه النظرة السلبية للوقف بأن يستوردوه من المسلمين من خلال صيغة الترست؟ يقول أسامة الأشقر في كتابه "تطوير المؤسسة الوقفية الإسلامية في ضوء التجربة الخيرية الغربية": "يرى بعض الباحثين أن الأوروبيين قد استفادوا من نظام الوقف الإسلامي إبان تواجدهم في ديار الإسلام منذ القرن العاشر ميلادي، وبالتحديد أثناء فترة الحروب الصليبية، ويؤكد بعض الباحثين أن صيغة الترست (trust) في أوروبا قد تم تطويرها وأصبحت عرفاً تشريعياً بعد رجوع أفواج الصليبيين من بيت المقدس، والذين تعرفوا على الصيغ الوقفية من خلال احتكاكهم بالمسلمين ومؤسساتهم، خلال فترة قرنين من الزمان، ومن ثم انتقلت هذه الصيغ الوقفية إلى الولايات المتحدة عبر المهاجرين الأوروبيين"(6).
وقد نبّه المحامي عمر المسقاوي رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان في كتابه "نظام الوقف وأحكامه الشرعية والقانونية" على ضرورة التمييز بين الوقف والترست بقوله: "والوقف قيمة اجتماعية ذات مدى نوعي لا يقارن بفكرة (الترست) أحد مظاهر تطور فكرة المال؛ فنظام (الترست) يبدو لكثير من الدارسين تطويراً لفكرة الوقف باعتباره نظاماً مشابهاً لفكرة الوقف.
وهذه المقارنة فيها مجازفة كبيرة؛ لأن نظام (الترست) يُجمِّد المال واستثماره لحساب المالك الذي يحدد خياراته طبق العقد، في حين الوقف في مفهومه يرتبط بفكرة الخير في معناه الثقافي والتاريخي كبيئة ترتبط بالإنسان والزمان والمكان، أي العقار نفسه، ومحيطه الاجتماعي عبر منظومة الحضارة الإسلامية.
فالوقف لا يقتصر أثره على المتولي (الناظر) والمستحقين، بل على نظام الحياة الاجتماعية وتماسكه بحيث يؤسس حول الوقف إطار حماية بقدر فاعلية الثقافة والتطور الاجتماعي، فالوقف كان للمجتمع الإسلامي مؤشر تقدمه، وحينما انهار المجتمع كان المؤشر هو انهيار تماسك دور الوقف في نظام الحياة الاجتماعية.
فنظام (الترست) أحد مظاهر دور المال في آلية النظام الرأسمالي، لكن الوقف أحد مظاهر دور الملكية العقارية وما يتفرع عنها من مال في وظيفتها الاجتماعية طبق مفهوم الخير كدعوة شمولية لحركة المجتمع وانتماء الفرد إلى بيئته في علاقة روحية ضمن توازن نفسي وروحي واجتماعي وسياسي تميزت به الحضارة الإسلامية"(7).
مما يُبرِز مشكلة نقل مصطلح الترست دون إدراك للنموذج المعرفي الكامن فيه والقائم على رؤية خاصة للكون والحياة والإنسان والعلاقة بين البشر. ويترتب على ذلك ضرورة العدول عن تسمية المؤسسات الخيرية أو غير الربحية الأوروبية أو الأمريكية بالمؤسسات الوقفية كما جاء في عنوان الكتاب. وإلا سوف يفقد مفهوم الوقف هويته ويؤدي إلى التنازل عن النموذج المعرفي الكامن فيه؛ فهوية المفاهيم تتحدّد بِتَميُّزها عن غيرها؛ فإن لم يكن هناك ما يُميِّزها عن غيرها، أُفْرِغت من مضامينها ودلالتها وأبعادها.
ومن الضروري في ظلِّ الإشادة بالإدارة المتميزة للمؤسسات غير الربحية الأمريكية أن نستحضر أن طريقة إدارة جامعة هرفرد (Harvard University) قد أدّت إلى خسارة نحو ثلث قيمتها عام 2009م من جراء استثماراتها في الأسواق المالية على حساب من يدفعون الضرائب من أفراد المجتمع، ومن يدفعون الرسوم الدراسية من طلاب الجامعة نفسها(8).
والنصيحة أو الرسالة العامة التي أوجهها لنفسي ولإخواني القراء الكرام هي أن نتفادى إسقاط المفاهيم التي أفرزتها الحضارة الإسلامية على المفاهيم الأوروبية والأمريكية الحديثة، وألا ننظر إلى أنفسنا بمنظار غيرنا، مما قد يؤدي بنا - دون أن ندري - إلى أن نعتبر مزايانا عيوباً وعيوب غيرنا مزايا. فالانفتاح على الآخر بهذه الطريقة بحجة خدمة الإسلام وإبراز محاسنه سوف يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى نتائج عكسية. في ظلّ هذه التحديات الداخلية والخارجية المتعلقة بعملية توليد المعرفة، من المهم بمكان أن نبذل قصارى جهدنا لتأصيل ظاهرة الأوقاف المتعددة الأبعاد بناء على منظومة معرفيّة قائمة على تساؤلاتنا، أي على إشكالاتنا الحقيقية.
هذه الملاحظات لاتنقص من قيمة هذا الكتاب ونسأل الله لمن ألفه، وأدار مشروعه، وموّله أن ينفع به ويُسدِّد جهوده إلى ما يحبه ويرضاه.
الحواشي:
  (*) الأستاذ المشارك والباحث بمعهد الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة. 
  (1) صالح الحصين. تطبيقات الوقف بين الأمس واليوم، كلمة ألقيت في المؤتمر الأول لجمعيات تحفيظ القرآن بالمملكة، والمنعقد في مدينة الطائف، 18 يوليو 2012، موقع رواق، http://rowaq.org/?p=19
  (2) إبراهيم البيومي غانم. الأوقاف السياسية في مصر، القاهرة: دار الشروق، 1998، ص 23.
  (3) عبد العزيز الدوري. مستقبل الوقف في الوطن العربي، ضمن كتابه "أوراق في التاريخ والحضارة، الجزء الثاني: أوراق في التاريخ الاقتصادي"، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2007، ص 297.
  (4) علي عزت بيغوفيتش. الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس،  الكويت وميونيخ: مجلة النور الكويتية ومؤسسة بافريا للنشر والإعلام والخدمات، 1994، ص 299.
  (5) Maurice Block. Petit dictionnaire politique et social, Paris : Perrin, 1896, p. 1776.
  (6) أسامة عمر الأشقر. تطوير المؤسسة الوقفية الإسلامية في ضوء التجربة الخيرية الغربية، عمان: دار النفائس، 2012، ص18.
  (7) عمر المسقاوي. نظام الوقف وأحكامه الشرعية والقانونية. دراسة فقهية اجتماعية ثقافية لدور الوقف في بنية المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية، دمشق: دار الفكر، 2010، ص54-55.
  (8) Julia Kollewe. Financial crisis knocks value of Harvard and Yale endowments, The Guardian, 11 September 2009.
المصدر: موقع وقفنا ـ 1/ 3/ 1439 ـ 19/ 11/ 2017
 
 

التعليقات 

 
0 #1 Saeee M Al Srhani 2017-11-19 12:49
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقالة موفقة د.فتحي كعادة مشاركاتك وفقك الله
اقتباس
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

 


إنّ موقع "وقفنا" حريص كلّ الحرص على أن يكون ما ينشر فيه منحصرا في مهمّته؛ وهي: "إحياء سنّة الوقف ونشر ثقافته". وإنّ ما ينشر في موقع "وقفنا" لا يعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، ولا يقع ضمن مسؤوليّة القائمين عليه


هذا بيان إلى حضرات الزوار الأعزّاء لموقع "وقفنا" بأنّه ليس لدى الموقع أموالا لمساعدة الأفراد ولا الجماعات والمؤسّسات أيّا كانت. وليس ذلك من مهمّتنا.ولا نملك أيّ كتب للبيع أو التوزيع المجّاني. ونهيب بجميع المتصفّحين الكرام أن يستفيدوا ويتفاعلوا مع ما ينشر في الموقع من علم نافع. سائلين الله تعالى أن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.